"مسرحيات محمد لطفي جمعة دراسة تحليلية فنية"
محمد السيد عبد العاطي دحريجة جامعة عين شمس الألسن اللغة العربية الماجستير 2006
"محمد لطفى جمعة ، مفكر موسوعى الثقافة ، بعيد النظر ، شمولى الرؤية ، وليس أدل على هذا من كتاباته المتنوعة فى مجالات مختلفة ، فى الفلسفة ، والأدب ، والتاريخ ، والقصص ، والتفسير ، وغيرها من آداب وفنون.
لقد ذُوّد لطفى جمعه بالثقافتين الإسلامية والأوروبية ، ولعل تمكنه من لغات أربع هى العربية والأنجليزية والفرنسية والألمانية ، جعله يقف على تجارب الآخرين, ويستفيد منها فى كتاباته ، فهو يُعَدّ واحداً من الرواد الأوائل الذين أثروا الحياة الفكرية والأدبية من موقعه أديب وصحفى ومفكر كبير ، وهو ينتمى للحزب الوطنى القديم ويحمل مواقفه السياسية ورؤيته لعصره ومجتمعه ونضاله السياسى ، من خلال قدرته الفائقة على توظيف الثقافة الغربية لخدمة الثقافة الإسلامية ، أو بمعنى آخر كان إسلامى الثقافة بمعناها الواسع ، فله قدرة نادرة على المزج بين الآراء والثقافات ، وكذا المقارنة بين مختلف الأفكار فى الحضارات المختلفة, أو هو أشبه بالنحلة التى تقف على مختلف الزهور والبساتين؛ لكى تفرز لنا غذاء طيباً شهياً للآكلين .
فلطفى جمعه واحد من الأسماء المشهورة فى مجال المحاماة والأدب والقصة والتاريخ والدين والفلسفة والاجتماع ... إلخ هذه المجالات التى ساهم فيها بقلمه.أما التاريخ المصرى فلم يذكره إلا فى مناسبتين :
الأولى: عندما مثل جورج أبيض وحجازى مسرحيته "" قلب المرأة "" عام 1916 م والأخرى: عندما مثلت فرقة عبد الرحمن رشدى مسرحيته "" نيرون "" عام 1919م وهذا هو ما دفعنى إلى إلقاء الضوء على هذه الأعمال المسرحية التى تنوعت بين التأليف والاقتباس والترجمة .
ومن خلال الشئ اليسير الذى عرفناه عن محمد لطفى جمعه, أستطيع القول بأنه من الحق والإنصاف أن نعترف ونقر لأديبنا الكبير وأستاذنا الجليل برسوخ قدمه وعلو كعبه فى مجالات عدة؛ لإيمانه العميق بأن للعلم شأناً عظيماً فى رقى الأمة وازدهار المجتمع ، ومن بين فنونه التى استخدمها كوسيلة لعلاج المجتمع من آفاته : فن المسرح, فقد آمن أيما إيمان بأن للمسرحية شأناً عظيماً فى عرض وتناول قضايا المجتمع من جميع نواحيها وإبرازها للوجود فى ثوب قشيب جلى يسير بالمجتمع فى خطى رائدة نحو التقدم والرقى إلى مدارج عُلى.
أولاً : المسرحيات المؤلفة
هرماكيس:
ألف محمد لطفى جمعه مسرحية "" هرماكيس "" فى عام 1909 م كما ورد فى مذكراته المنشورة : "" هرماكيس المصرى اسم لرواية تمثيلية فى فصل واحد وضعتها خلال شهر نوفمبر 1909 م وخلصت منها فى يومين ، وهى من حوادث التاريخ المصرى القديم وبطلها نبى جاء قبل موسى ، ولكنها لا تزال فى حاجة إلى بعض التنقيح والتصحيح ""( )
وقد تكونت هذه المسرحية من أربعة مناظر فى ثلاثين, صفحة كتبها فى ليون باللغة الفصحى, وكان الباعث عليها كما قال لطفى جمعه نفسه "" كنت على موعد من فتاة فرنسية ""أنطونيا شينو"" من شوفاى على نهر الصون ومقيمة فى مدينة ليون، فتنزهنا وتعشينا وعادت معى إلى غرفتى بنمرة 14 شارع رامباردينى وهى مسترخية مستعدة للغرام ، وعند منتصف الليل أبيت أن أعاشرها وانقطعت لتأليف هذه القطعة ""(2)
وإذا عاد القارئ إلى كتاب مذكرات لطفى جمعه "" تذكار الصبا "" سيجد لهذه القصة وجهاً آخر ! بل سيلاحظ أن الفتاة اسمها ""مارى مادلين "" وليست "" أنطونيا شينو "" . والتلاعب بالأسماء الأجنبية شىء إعتاد عليه لطفى جمعه فى كتاباته !! والدليل على ذلك التفاوت فى الوصف ، بين ما كتبه على الصفحه الأولى من مخطوطة "" هرماكيس "", وبين ما سطره بقلمه عن القصة نفسها فى مذكراته !!
قال لطفى جمعه فى كتابه "" تذكار الصبا "" : "" .. ثم قلت لها اسمعى يا مادلين !, مستحيل أن تنامى على هذا المقعد وإذا سمحت لى فإننى أضطجع بجانبك ! قالت باختيارك أم تورطا ؟ فضحكت وقلت مختاراً راجياً بإلحاح . وقامت فأطفأت المصباح ونامت ... ولكننى أنا لم أنم وأنا الذى تمنيت طول الليل وزوال النوم ووقوف الصبح عن الطلوع ، وأنا الذى استمتعت بجوارها وترديت أنفاسها وعبق عطر الأنوثة منها ، وأنا الذى سهرت على نومها فلم تأخذنى سنة ، ولا أمنت الظلام عليها, وعجبت لاطمئنانها واستسلامها وتقبلها ، ما أعظم تلك اللذة من كل شىء ، أن ترى الفاكهة الناضجة وتشمها وتضمها وتلمسها, ثم تصونها, وتكتفى بلونها ورائحتها, ويعز عليك أن تخدش قشرتها بيديك أو أسنانك ""(3)
نيرون
انتهى محمد لطفى جمعه من تأليف مسرحية نيرون فى 11 / 9 / 1918م ، وقد تكونت هذه المسرحية من خمسة فصول كبيرة أو فى نحو سبعين ومائتين من الصفحات باللغة الفصحى ، ولا أدرى الباعث على تأليفها ، وربما كان الدافع إلى ذلك التنديد بالحكم المطلق ، وإظهار الفساد السياسى ، وما يجره الحاكم المفتون بنفسه على نفسه وأسرته وشعبه من ويلات ، وشخصية نيرون من الشخصيات التاريخية التى شدت رجال الأدب والسياسة ، وتحدث عنه نابليون ، وحاول إعفاءه من إحراق روما ، وكتبت عنه مقالات عديدة فى الشرق والغرب .
وقد مثلت هذه المسرحية من قبل فرقة عبد الرحمن رشدى عام 1919م ، وأعادت الفرقة عرض المسرحية مرة أخرى فى يونية 1919م .
قلب المرأة :
فى عام 1916م ألـف محمد لطفى مسرحية "" قلب المرأة "" من خمسة فصول فى نحو عشرين ومائة صفحة باللغة الفصحى, وهى مستوحاة من قصة واقعية .
وإذا كانت المرأة الغربية هي الدافع وراء كتابته لهرماكيس ، فامرأة غربية أخرى كانت أيضاً وراء مسرحيته قلب المرأة .. ولكن شتان بين هذه وتلك !! فالمرأة الأولى كانت عابرة ، لم تترك إلا بعض صفحات فى مذكراته ، أما المرأة الأخرى .. فكانت كل المذكرات .. وكل الإبداعات .. ولولا مساعدتها له ما نجح فى أوروبا .. ولولا وجودها فى حياته ما كان له من وجود أدبى, ولولا شبح هذه المرأة الذى يطل علينا فى مجمل إنتاج لطفى جمعه الأدبى .. ما كان اهتمامنا الآن به ولا بأعماله الأدبية . فهذه المرأة هى الأديبة الروسية "" أوجستا دامانسكى فيليبوفنا "" التى قال عنها لطفى جمعة فى مذكراته :
"" أسجل فضل الله علىّ, وأحمده على رزق كريم, وقد صادف مجىء هذا الرزق معرفتى بهذه السيدة .... لأن هذه السيدة أسدت إلىّ من الفضل والجمائل مالا يحصى, وتحملت بسببى آلاماً كثيرة, واستهانت فى سبيلى بما لا يستهان به, وأدخلت إلى عقلى وقلبى وروحى خواطر ومبادئ ومشاعر تركت فيها آثاراً لا يمحوها الزمن, ولم يكن إليها من سبيل أو ذريعة غيرها ، وقد تفتحت فى ظلها كل مواهبى ورغائبى وتجسدت كل حقائق الحياة فى نظرى بفعلها وقوتها وإيمانها ، وأرشدتنى إلى مطالعات ودراسات لم أكن أنالها بدونها, وأعانتنى علي قراءات وتحصيل علوم وسهرت علىّ سهر الشقيقة والزوجة والصديقة والأم الرءوم ... ولكنها حيال هذه النعم كلها أدنتنى بفعلة واحدة من الموت المحقق لولا عناية الله ورحمته فأزهدتني فى الحياة أعواماً, وأفقدت ثقتى فى جنس الإنسان ، وأخرجتنى من حلم الأديب إلى غيظ المنتقم فكتبت "" قلب المرأة "", وبالغت فى تسويد صحيفتها, وما كان ينبغى لى أن أفعل هذا ""( ) .
وقد تعرضت هذه المسرحية لنقد كبير من قبل الكاتب عباس حافظ ، وتعرضت أيضاً للثناء الكثير من قبل محمد الهراوى – الكاتب الأول لدار الكتب السلطانية – هى فى الظاهر نقد لمسرحية "" قلب المرأة "" ، وفى الباطن رد على مقالات عباس حافظ . وليس هذا مجال لذكر هذه الأمور ، ولكن ما أود أن أشير إليه أن موضوع مسرحية "" قلب المرأة "" ، هو نفسه موضوع قصة حب لطفى جمعه لأوجستا دامانسكى ، التى انتهت عام 1912م ، ثم كتب عام 1947م قصته مع هذه المرأة فى مخطوطة "" تذكار الصبا "" .
وقد مسَّ محمد الهراوى ذلك عام 1916م ، فى مقالاته السابقة ، قائلاً : ""فقلب المرأة عبارة عن مجموعة حوادث بعضها قد يكون وقع بالفعل ، وبعضها من ذهن المؤلف التمسه التماساً من الخيال بحيث لا يمنعه ذلك إذا وقع ، أن يكون مطابقاً لحقيقة الحال . وإن هذه المجموعة يصح أن تكون كل حادثة فيها منفصلة وحدها قائمة بذاتها وهى لو كانت كذلك ؟ أى أنها لو لم تكن مرتبطة بأخوات, لكانت أقرب إلى الحقيقة منها إلى الخيال , ولكن ارتباطها هذا جعل التأليف بينها بعيد التصديق, وإن كان محتمل الوقوع "". (2)
وهذا الأمر وصل إليه أيضاً إبراهيم رمزى – الكاتب المسرحى وأحد الأصدقاء المقربين للطفى جمعه – فى نقده للمسرحية ، عندما قال : "" وكأنى بها حادثة شهدها أو لابسها [ أى لطفى جمعه ] أيام كان يدرس القانون بأوروبا لولا ما هناك من أعراض لا تحتملها الحقيقة المنطقية ""(3) .
ومن الملاجظ أن مقالة إبراهيم رمزى كانت فى نقدها ، وسطاً بين هجوم عباس حافظ ، وبين مديح محمد الهراوى , ومهما يكن من قيمة هذه المقالات فى وقتها ، إلا أنها تدل على أن المسرحية لاقت نجاحاً كبيراً ، والدليل على ذلك أن جورج أبيض وحجازى ، أعاد عرضها مرات عديدة ، بعد أيام قليلة من عرضها الأول , وقد حازت مسرحية "" قلب المرأة – نيرون "" على جائزة التأليف المسرحى عام 1926م .(4)
الوالد والولد :
ألف محمد لطفى مسرحية الوالد والولد عام 1916م ، وقد تكونت هذه المسرحية من خمسة فصول صغيرة, أو فى نحو تسعة وثلاثين من الصفحات باللغة الفصحى ، ولا أدرى الباعث على تأليفها ، وربما كان الدافع إلى ذلك إظهار أحد آفات المجتمع الغربى من خلال إبرازه لسلوك المرأة .وكأن الكاتب يود أن يقول من خلال مسرحيته "" قلب المرأة "" و "" الوالد والولد "" هذا هو سلوك معظم النساء فى العالم الغربى .
فى سبيل الهوى :
فى عام 1925م ألف محمد لطفى جمعة مسرحية جديدة أطلق عليها "" فى سبيل الهوى "" من خمسة فصول ، وترد مشاهد منها باللغة العربية الفصحى ، وأخرى بالعامية . وهذه المسرحية ما هى إلا إعادة صياغة لروايته القديمة "" فى وادى الهموم "" المطبوعة عام 1905م ( ).
وهنا يطرح سؤال نفسه : لماذا يُقدم محمد لطفى جمعه على إعادة صياغة رواية قديمة ، فى ثوب مسرحى ، وهو الأديب الموسوعى غزير الإنتاج ؟!
والإجابة عن هذا السؤال تكمن فى سطور خطاب أرسله لطفى جمعة إلى طلعت حرب عام 1925م ، قال فيه "" حضرة صاحب العزة محمد بك طلعت حرب رئيس شركة ترقية التمثيل العربى بعد التحية , أتشرف بأن أخبركم بما وصل إلى علمى من أنكم تطلبون روايات تمثيلية مصرية تتناول أخلاق هذه الأمة, وتقوّم المعوجّ منها, وتصلح الفاسد من العادات الاجتماعية الشائعة فى بلادنا ، وعلمت أيضاً أن عزتكم تتفضلون بمراجعة الروايات التى تقدم لكم بنفسكم؛ لتبدوا فيها حكماً عادلاً بما ركز فى طبعكم من أصول المعرفة بالفنون, لا سيما ولكم قدم راسخ فى التأليف ، وهذه طريقة أفضل من سواها وأضمن .ولما كنت شَغفاً بدرس أخلاق أمتنا المصرية ، فقد وضعت رواية تنطبق على رغبتكم فى خمسة فصول سميتها "" في سبيل الهوى "" وهى من الروايات الاجتماعية المعروفة في أوروبا بأنها comedie serieuse ، فضلاً عن كونها ذات أغراض مبيّنة فى ثنايا مناظرها ، فهى فى الواقع تجمع بين الحوادث وبين الأغراض الاجتماعية من قبيل pieces athese . وقد سبق لى وضع روايات تمثيلية قد مثلت فعلاً منها رواية قلب المرأة, وقد مُثلت لأول مرة فى ""تياترو، الخديوية"" بمعرفة فرق جورج أبيض فى مارس سنة 1916م ، ثم رواية ""نيرون"" وقد مثلت فى تياترو الأوبرا أيضاً فى مارس سنة 1919م ، ثم رواية "" الوالد والولد "" و "" خضَّر أرضك "" و "" الحب والمجد ""( ) إلى آخره .فترون عزتكم من هذا أنه سبق لى ممارسة هذا الفن الجميل . ولما كنت أعلم حقيقة ميول الجمهور المصرى ، فقد جعلت فى الرواية كثيراً من مناظرها باللغة العامية ، فضلاً عن أنها مكتوبة جميعها بلغة سهلة مفهومة ، فالفصل الأول : فى ""ملعب القمار"" والثانى : فى ""بيت عائلة مصرية شريفة عريقة"", والثالث : فى ""بيت معشوقة بطل الرواية"" والرابع : فى ""عيادة طبيب اختصاصى"" والخامس : ""فى حانة"" . وترون من هذا التقسيم سعة المجال للبحث فى أخلاق كثيرة , فإن كنتم تتفضلون بقراءة هذه الرواية ويعوزكم بعض التفسير فأنا مستعد لإفصاح اللازم ، وإن كنتم تفضلون سماع الرواية بواسطة إلقائى على أفراد, أو فى حضرة من تنتخبون ، فأنا لا أرى بأساً فى ذلك ، وعلى أى حال لا أريد غير اتباع العرف المعول به عندكم بما فيه ضمانة القراءة بشخصكم مباشرة دون سواكم , وإنى أعتذر لكم عن طول هذا الخطاب وأنتظر من عزتكم رداً عن هذه المسألة , وأرجو أن تتفضلوا فى الختام بقبول فائق تحياتى وإخلاصى "" .( )"
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة